محمد بن جعفر الكتاني
36
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
وقال أيضا في محل آخر ما نصه : « كان بعض مشايخنا الصوفية يقول : ينبغي للإنسان كلما مر بقبر ولي أو عالم عامل أن يقرأ له الفاتحة ويهدي ثوابها إليه ، ويجعل ذلك معاملة بينه وبين ذلك الولي ؛ فإن ذلك الولي يتعرف إليه إذا نزلت به شده ، ويمده بمدده ؛ فيظهر أثر ذلك عليه » . وقال في " ممتع الأسماع " بعد أن استطرد فيه ذكر الشيخ أبي عبد اللّه الأمين العطار دفين جبل زرهون ، ما نصه : « ينتسب لسيدي عبد القادر الجيلاني وسيد أبي يعزي صاحب تاغيا ، ورآهما في المنام فأمداه ، وكان عقد مع اللّه أن كل نافلة يعملها فثوابها لهما ، فرآهما بعد ذلك وهو عند قبر سيدي أبي يعزى ؛ فأعطياه ، وظهرت له الخوارق والكرامات والمكاشفات ، وهو من الرجال الذين عدهم الشيخ زروق فيمن لقي » . ثم وجدت العلامة ابن زكري في شرحه لصلاة القطب مولانا عبد السلام - رضي اللّه عنه - بعد ما نقل عن سيدي عبد الوهاب الشعراني أنه سأل شيخه سيدي عليا الخواص : « هل أقرأ وأصوم وأجعل ثواب ذلك لآدم عليه الصلاة والسلام ؟ » . وأنه أجابه عن ذلك بقوله : « لا تجعل بينك وبين اللّه واسطة أبدا من نبي أو غيره . . . » إلخ ، قال ما نصه : « قلت : لا يهولنك أمر هذا الكلام مع ما حققناه ، أما مسألة إهداء الثواب للنبي صلّى اللّه عليه وسلم وغيره من الأنبياء والأولياء : فقد تقدمت أدلتها من الحديث وفعل الأئمة المقتدى بهم ، وتقدم ما قاله الشيخ زروق والكلام معه بالمناقشة والتوفيق في آخر شرح قوله : صلاة تليق بك منك إليه . وأما الاستغناء عن وساطته صلّى اللّه عليه وسلم فلا سبيل لأحد إليه وإن وصل ما وصل » . انتهى المراد منه ، وهو من أعظم شاهد لما ذكرناه . والحاصل : إن هذا الذي ذكره الشعراني - رضي اللّه عنه - طريقة له ، وقد تقدم توجيهه لها ، وطريقة غيره - وهم جمهور العلماء والصوفية - جواز إهداء نفس الثواب للولي المزور ، وقد سمعت توجيهها واللّه أعلم . ورضي اللّه عن إمامنا مالك إمام دار الهجرة ، حيث قال : « كل كلام فيه مقبول ومردود إلا كلام صاحب هذا القبر . . » . وأشار إلى قبره عليه السلام . [ وفي تأليف لبعضهم ] : « نهى سيدي علي الخواص تلميذه سيدي عبد الوهاب الشعراني - رضي اللّه عنهما - بقوله : لا تجعل بينك وبين اللّه واسطة أبدا ، من نبي أو غيره ! ! . . . » . ومن جملة الأنبياء : سيد الوجود ؛ إذ هو داخل في عموم الكلام ، حيث لم يستثنه ، مع أنه لا سبيل لأحد - أيا كان - الاستغناء عنه عليه السلام ، وعن وساطته صلّى اللّه عليه وسلم ولو بلغ ما بلغ « 1 » .
--> ( 1 ) هذه الفقرة مضافة عن نسخة المؤلف بخط يده .